1:3-ملابسات ارتكاب المجزرة:
لقد شهدت الساحة الدوليه سنة (1956) عدة احداث مثيرة ، ففي الوقت الذي تم فيه العدوان الثلاثي ضد مصر ، كانت الدبابات الروسيه تدخل الى المجر ، مما غيّبَ ما يجري للعرب الموجودين تحت الحكم الاسرائيلي... وباختصار كانت الاوضاع الدوليه في حالة اضطراب ، ومنطقتنا في حالة حرب مما فتح المجال امام الحكومة لارتكاب مثل هذه المجزرة. فالعقليه التي حاربت العرب سنة (1948) هي نفس العقليه التي ارتكبت المجزرة عام (1956). فمجزرة عام (1956) بحق اهالي كفر ­ قاسم ارتكبت الخامسة مساءً في نفس اليوم الذي بدأت فيه حرب سيناء ، اي وعلى وجه التحديد في29-10-1956 الساعه السابعه بعد الظهر.وتاتي هذه المجزرة في ظلال مجازر اصابت اوارها الشعب الفلسطيني في اكثر البقاع قدسية الا وهي الحرم الشريف والمسجد القصى. ان هذه المجازر هي حلقات في سلسلة واحدة جاءت في ظروف انشدّت فيها انظار العالم الى احداث كبرى...كالعدوان الثلاثي في ذلك العام(1956).ويرى البعض ان الظروف السياسيه والعسكرية التي عاشتها اسرائيل في تلك الفترة وبالذات كونها دولة فتية ، اوجبت ايجاد حاجز وقائي يرهب العرب ويحملهم على التخفيف من حدة الحملات الاعلاميه والنفسيه ضد اسرائيل.
وحول هذه المعاني يرى الشيخ عبد الله ان:
... مجزرة كفر ­ قاسم واحدة من عشرات المجازر التي ارتكبت ضد ابناء شعبنا الفلسطيني على ارض وطنه ، كل ذلك من اجل نشر الرعب بين صفوفه لعله يرتحل عن وطنه ، وبذلك يتم اقتلاعنا وتهجيرنا من وطننا هذا الذي لا نقبل لنا وطناً سواه. وكذلك فقد ارتكبت مجازر اخرى ضد الذين صاروا لاجئين بعد طردهم من ديارهم واراضيهم من ابناء شعبنا ، بهدف اذلال هذا الشعب المصابر وفرض اليأس عليه ، ومن اجل اغتيال طموحاته الطبيعيه والمشروعه في الحرية والاستقلال. وان المجازر (الداخل والخارج) كلها تخرج من ظلمة واحدة ومؤامره واحدة وهي مؤامره تصفية هذا الشعب المصابر وتصفية قضيته وطموحاته واحلام اجياله ويربط بعض القادة الاسرائيليين حينها ما حصل لهذه القرية الوادعه عام (1956) بالوضع الامني الذي ساد منطقة الحدود الشرقية مع الادارة الاردنيه حينها ، وفي هذا الاطار صرح دافيد بن غوريون امام الكنيست:
في 29/10/1956، وبعد ازدياد اعمال الفدائيين وبداية عملية سيناء ، اعلن منع التجول في عدد من القرى المحاذيه للحدود الشرقيه للحفاظ على ارواح المواطنين في القرى والقيت مهمة الحفاظ على قرار منع التجول على كتيبة من قوات حرس الحدود ، وحافظ سكان القرى على نظام منع التجول الذي حدد ما بين الساعه الخامسه والسادسه صباحاً الا بعض القرى ، وفي تلك القرى وبعد عودة بعض سكانها من اعمالهم بعد دخول نظام منع التجول قتلوا بايدي جنود حرس الحدود ، بين الضحايا رجال ونساء واطفال. ومن خلال اقوال (بن غوريون) رئيس حكومة اسرائيل الأسبق ، يتضح ان اوامر بالقتل صدرت ضد المواطنين الذين يُخِلّون بالنظام من وجهة نظرهم حتى وان لم يعلموا بذلك.غير ان (بن غوريون)حاول تفادي الاعتراف المباشر بذلك ، وانما يعزوه الى تصرف غير عقلاني(خلال متابعة خطابه امام الكنيست) من قبل رجال حرس الحدود ويطالب بتقديمهم للمحاكمة. ويحاول بن غوريون ايضاً ان يبرز الدواعي الأمنية لدولة اسرائيل من خلال تصريحاته التي تشير الى زيادة اعمال العرب على الحدود الشرقيه للبلاد ، وهذا في نظره بالتاكيد لا ينفي الاقدام على قتل بعض سكان القرى الذين هم من سكان الدوله في سبيل الحفاظ على امنها .غير ان الحقائق تثبت ان احد اهداف هذه العمليه كان حمل الناس على الهجرة ، وذلك من خلال دراسة الحالة التي تم فيها توزيع القوات الاسرائيليه: اطلاق النار كان من جهات ثلاث يوم المجزرة : الجهة الغربيه ، والجنوبيه والشماليه اما الشرقيه فكانت الجهة الأمينة. ولكون هذه الدراسة وهذا العمل غير متخصص بالمجزرة في الدرجة الاولى ، يمكن تلخيص ظروف وملابسات ارتكاب المجزرة في النقاط الجوهرية التاليه:
1-العدوان الثلاثي عام 1956(29/10/1956) الذي شنته قوات كل من: اسرائيل وبريطانيا وفرنسا ضد مصر،واحتلالهم لقطاع غزة وصحراء سيناء ووصولهم حتى قناة السويس. فجاءت مجزرة كفر ­ قاسم للعدوان ، كاجراء وقائي لاي طرف يفكر في التعبير عن سخطه ومعارضته للعدوان المذكور من سكان واهالي(48). ومن ناحية اخرى كبرقية تهديد اولى للدول العربيه المجاوره ، وعرض للعضلات سبق ضرب الخطوط المصريه.
2- توقيت اسرائيلي محكم: استغلت اسرائيل الاجواء الدوليه العامه،كتوقيت جيد ومواتٍ للاقدام على ارتكاب هذه المجزرة البشعه.فالاعلام العالمي وقتها كان مشغولاً بالعدوان الثلاثي ضد مصر ، ومواقف الدول العظمى والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من ذلك ، خاصة وروح التنافس كانت على اشدها ، ولا تنس ما اقدمت عليه الدول الثلاث سنة(1956) دون التشاور مع الولايات المتحدة. وكان الاعلام العالمي ايضاً منشغلاً باحداث (المجر) ودخول القوات الروسيه لتثبيت الاوضاع الامنيه والسياسيه هناك. فقد ادرك قادة (اسرائيل) ان رد الفعل الدولي لن يكون على المستوى الذي قد يزعزع ويؤثر على مكانة اسرائيل دولياً ، وبالتالي فان العالم سينسى هذه الحادثه في خضم تلك الاحداث. وهذه الاستراتيجية استغلت من قبل اسرائيل مؤخراً ، فاثناء حرب الخليج اقدمت على اغتيال احد قادة منظمة التحرير الفلسطينيه وهو السيد ابو اياد (صلاح خلف) في تونس ، والسيد ابو الهول احد الشخصيات البارزة في المنظمة ايضاً.وفعلاً لم يع الاعلام العالمي ولا الرأي العام العالمي ذلك وانما واصل مراقبة تطورات الاحداث على الساحة الخليجية.
3- تنفيذ الاستراتيجية الصهيونيه الراميه لتفريغ البلاد من اهلها الاصليين.ان احد اركان الاستراتيجية الصهيونيه التي رسمت ووضعت منذ انعقاد مؤتمر بازل عام (1897) وقبله ايضاً بصورة غير رسميه ، اتباع سياسة الاستعمار السكاني وتطبيق خطة التفريغ السكاني أيضاً.اي وبلغة اخرى العمل على تغيير الطابع التبوغرافي (الجغرافي) والطابع الديمغرافي (السكاني).فالمجزرة جاءت لحمل سكان القرية على الهجرة لحدود الادارة الاردنيه، بدليل انهم تركوا الحدود الشرقيه بدون حراسة او مراقبة عسكرية ، ثم الاستيلاء على اراضي القرية كباقي القرى التي طبقت عليها هذه السياسه.وهنا فان موقف اهالي كفر­قاسم البطولي يعيد للاذهان وصية القائد (عبد الكريم قاسم)، الذي تمركزت قواته في كفر ­ قاسم لوجهاء القرية حينها: بدأ الزعيم العراقي حديثه بتوجيه وصية لمختار القرية والحضور: إن ثَبَتَّ أنْتَ واللجنة في البلد فسوف يثبت المواطنون واذا خرجت فسوف يخرجون.
4-استمرار عمليات المقاومه العربيه: تقول بعض المصادر انه وافق اقدام اسرائيل على ارتكاب المجزرة عام (1956)،استمرار المقاومه العربيه للسلطات الاسرائيليه ، وبالذات عبر الحدود الاردنيه ، وطبعاً عبر الشريط الحدودي والفاصل بين غزة واسرائيل ، الامر الذي اتخذته اسرائيل حُجّه عمليه وملموسه لاي اجراء تعسفي ضد المواطنين العرب. وتعيش,بل عاشت اسرائيل خلال الفترة السابقه وفق سياسة (الهجوم خير وسيلة للدفاع) فالقتل الجماعي والمجازر البشعه خير وسيله لدى الادارة الاسرائيليه لفرض سياسة الامر الواقع ، ضد مواطني دولة اسرائيل من العرب او حتى سكان الدول العربيه المجاورة ، اذ ان هذا الوضع يفرض حالة من الخوف من تحمل نفس المصير اذا ما تحرّكوا ضد الارادة الاسرائيليه.

          


5- تخييم روح الانهزاميه على الامة العربيه: فتوقيت اسرائيل ايضاً جاء دقيقاً ، حيث استغلت ايضاً الوقت الذي ما زالت فيه الامه العربيه تعيش حالة من الهزيمه النفسيه من جراء ما حل بهم في حرب (1948) وضياع فلسطين والمقدسات الاسلاميه.فالامة العربيه في تلك الفترة ما زالت تعيش تلك المرحلة الدقيقه ، وليست على استعداد للرد على اي عمل اسرائيلي متوقع,ومن الادلة على ذلك مواقف الدول العربيه المجاورة من العدوان الثلاثي على مصر ، فقد وقفت مصر لوحدها في وجه القوات الاجنبيه الغازيه ، فكيف بها ستتدخل لصالح قرية صغيرة مغموره.

المحتوى